الراغب الأصفهاني
182
الذريعة إلى مكارم الشريعة
المقادير إلا بهما ، ولذلك عبر عن الحكمة بالميزان في قوله تعالى : اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ « 1 » . ولا يبلغ الحكمة إلا أحد رجلين : إما مهذب في فهمه ، موفق في فعله ، ساعده معلم ناصح وكفاية وعمر ، وإمّا إلهي يصطفيه اللّه فيفتح عليه أبواب الحكمة بفيض إلهي ويلقي إليه مقاليد جوده ، فيبلغه ذروة السعادة ، وذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء واللّه ذو الفضل العظيم « 2 » .
--> ( 1 ) الشورى / 17 . ( 2 ) لعله وضح أن المقصود هنا بالجمع بين الكتاب والحكمة الإشارة إلى أن العقل الغريزي لا يتعارض مع النقل ، غير أنه يجب أن ننبه إلى محدودية العقل في مسألة إثبات الشرع وقضايا الألوهية والرسالة وفيما عدا ذلك فالصلة ضرورية ولا تعارض ، لأن تلك الغريزة ليست علما يتصور أن يعارض النقل ، وهي شرط في كل علم عقلي أو سمعي كالحياة ، وما كان شرطا في الشيء امتنع أن يكون منافيا له ، فالحياة أو الغريزة شرط في كل العلوم ، سمعيها ، وعقليها ، فامتنع أن تكون منافية لها ، وهي أيضا شرط في الاعتقاد الحاصل بالاستدلال وإن لم تكن علما ، فيمتنع أن تكون منافية له ومعارضة له - ابن تيمية / درء تعارض العقل والنقل / 1 / 89 .